جلس المدعي العام في مقعده كمن خسر معركة رغم احتفاظه بقليل من الوقار الظاهري. كان يعلم أنه لم يعد هناك ما يفعله.أما والتر فعاد ببطء إلى كرسيه المتحرك لا عن ضعف أو استسلام بل لأنه أتم المستحيللم ينهض جسديا فحسب بل نهض أخلاقيا فوق القسوة التي عاش بها وقرر أن يتغير.
وبينما كانت القاعة تفرغ تدريجيا والأصوات المتأثرة تملأ الممرات والسلالم بقيت سيسيليا في مكانها قرب المنصة يدها الصغيرة لا تزال ممسكة بيد القاضي الكبيرة الخشنة يد رجل تعلم أخيرا أن يؤمن من جديد.مرت ثلاثة أسابيع منذ اليوم الاستثنائي الذي تحولت فيه قاعة المحكمة المركزية إلى مسرح للمستحيل.
ثلاثة أسابيع بدت لبعضهم كأنها ثلاث سنوات ولغيرهم كأنها ثلاث ثوان.لم يتوقف العالم عن الحديث عما حدث.الصحف تنشر عناوين يومية. برامج التلفزيون تناقش القصة بلا توقف.
مواقع التواصل تمتلئ بالآراء والقصص والتأويلات.لكن بالنسبة إلى والتر وسيسيليا ورودريغو كانت تلك الأسابيع دوامة من المشاعر والقرارات والتحولات التي لم يتخيلوها.
في ذلك الصباح كانت القاعة ممتلئة من جديد أكثر حتى من المرة الأولى.انتشر خبر استئناف الجلسة بسرعة وجاء الناس من مدن أخرى فقط ليشهدوا النهاية.ملأت كاميرات التلفاز الصفوف الخلفية. الصحفيون يتدافعون على المساحات الضيقة والحراس الإضافيون يحاولون ضبط الجموع المتكدسة عند الأبواب.
داخل القاعة كان الجو مختلفا هذه المرة.لا سخرية ولا ضحكات مزدرية بل ترقب مشوب بالاحترام أشبه بأجواء قداس. الجميع يشعر أنهم على وشك حضور شيء يتجاوز الحكم القضائي العادي.دخل رودريغو أولا برفقة حارسين لكن تغير شيء جوهري.
لم يكن مكبل اليدين.كان يمشي ورأسه مرفوع لا تكبرا بل بكرامة إنسان استعاد شيئا من نفسه.عينيه اللتان كانتا غارقتين في اليأس تلمعان الآن بأمل متواضع.ملابسه بسيطة لكن نظيفة.لم يعد يعامل كخطر بل كإنسان ينتظر مصيره.
كانت سيسيليا جالسة في الصف الأول بجوار جدتها.ترتدي فستانا جديدا هدية من أحد الذين تأثروا بقصتها وأرسلوا تبرعات للعائلة.كان شعرها مصففا بعناية لكن ما تغير حقا كان وجهها.هناك سكينة لم تكن لفتاة في عمرها لكنها جعلتها شبه مضيئة.
ثم فتحت الأبواب الجانبية.وقف الجميع فورا ليس التزاما بالبروتوكول بل بدافع احترام تلقائي وذهول عميق.لأن والتر دخل وهو يمشي.ليس على كرسي متحرك ولا مستندا إلى عكازات بل يمشي بخطوات ثابتة واثقة تكاد تكون مهيبة.كان يرتدي الرداء الأسود ذاته لكن جسده يحمل نفسه بطريقة مختلفة تماما.
لم يعد الرجل المنحني بثقل مرارته بل شخصا أعيد بناؤه من الداخل.انتشر همس إعجاب في القاعة.بعض الناس بكوا لمجرد رؤيته.ابتسم آخرون ابتسامة واسعة كأنهم يشاركونه نصرا شخصيا. حتى بعض الحراس ذوو الملامح الصارمة مسحوا أعينهم بخفية.صعد والتر إلى منصته بخطوات بطيئة لكنه لم يحتج إلى مساعدة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.